السبت، 30 أبريل، 2011

الحرية

الحرية مطلب و شعار إنساني ، تدعي الأنظمة السياسية الحاكمة تطبيقه ، و تناضل المنظمات الحقوقية و القوى السياسية التقدمية و التحررية من أجله إحقاقه . و لقد ظلت الحرية على مَرِّ التاريخ البشري قضية صراع ، اتفق حولها  كقيمة و حق ، لكن اختلف حول مضمونها و طرق تطبيقها .  و هذا ما جعلها مفهوما مُلتبسا بل و معضلة سياسية و أخلاقية ، احتار و اختلف الفلاسفة ورجال السياسة حولها و راح ضحية النضال من أجلها رجال . فما الحرية ؟ و هل الإنسان حر في أفعاله أم أنه خاضع لقوى خارجة عن إرادته (عوامل طبيعية شروط اجتماعية و مشيئة إلهية ) ؟ و ما الإرادة ؟ و هل الإنسان حر لفعل ما يريد  أم أنه حر فقط  في حدود ما تسمح به قوانين المجتمع ؟ و هل القانون ضامن للحريات أم تضييق عليها ؟ و هل وُضِع القانون لصيانة الحريات أم لمنعها ؟ و هل في الخضوع للقانون نفي للحرية ؟ و هل في ممارسة الإنسان لحريته خرق و تجاوز للقانون ؟ هل حرية الإنسان في تمرده على القانون أم في العمل به ؟ من أين تستمد الحرية مشروعيتها : من الإرادة أم من القانون ؟ و هل الحرية هي ما يتضمنه القانون أم ما تستطيعه الإرادة ؟ و هل هو فاعل بحسب الإرادة أم الواجب ؟
    يميز الفيلسوف الألماني ليبنتز (1646-1716) بين الحرية كحق وبين الحرية كممارسة ،( ففي النظام العبودي ليس للعبد الحق في الحرية ، لكن السيد له الحق في الحرية كما له الحق في ممارستها . و تقوم الحرية على قدرة الإرادة على فعل ما يجب القيام به . و يميز أيضا هوبز بين الحرية الطبيعية  التي تقوم على الحق في استعمال القوة للحفاظ علي الحق في الحياة  و هي حرية تؤدي إلى الفوضى ؛ و الحرية المدنية التي تمارس وفق القوانين التعاقدية الضامنة لحق الفرد شريطة ألا يضر ذلك بحقوق الغير .
   الحرية عموما حق الإنسان في فعل أمر أو تركه دون أن يتعرض لعقوبة و دون أن يعرض حياة غيره لخطر .  فهل فعل من هذا النوع ممكن في غياب الأخلاق و الدولة ؟  يرى البعض أن الحرية ليست في أن يفعل الشخص ما يريد بل في أن لا يُكْرَه على فعل ما لا يريد . و يرى البعض الآخر في أنها هي القدرة الذاتية على التخلص من التبعية و تحويل العوامل المتحكمة فيه إلى عوامل يتحكم فيها .
  1)- الحرية و الحتمية :
   يرى البعض أن الحديث عن الحرية لا يستقيم إلا بالحديث عن نقيضها أي عن الجبرية و الحتمية . فما الحتمية ؟ و ما الجبرية ؟ فالحتمية اتجاه علمي يؤكد أن لكل ظاهرة أسباب، و أنه كلما توفرت نفس الأسباب حصلت بالضرورة نفس الأسباب ، فالحتمية  نفي للصدفة و الفوضى و تأكيد على وجود نظام صارم . أما الجبرية  فاتجاه ديني ينسب كل شيء للذات الإلهية و تنفي عن الإنسان كل قدرة عن الفعل ، فالفاعل الوحيد  الحق هو الله ، و الإنسان مسير . و إذا كانت الاتجاهات الدينية في القرون الوسطى قد نظرت إلى الحرية كفعل إنساني في علاقته بالإرادة الإلهية ، فإن العلوم الإنسانية كشفت عن الشروط الواقعية ( البيولوجية و النفسية اللاشعورية و الاجتماعية ) المحددة لسلوك الشخص و حريته . و في هذا الإطار نجد الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد (1126-1198) ينتقد الجبرية. فالجبرية  تؤكد خضوع الإنسان للمشيئة الإلهية و تنفي توفره على أية قدرة على الفعل ، فالله هو وحده الفاعل و لا فاعل سواه . أما ابن رشد فيبين  أن  الله تعالى خلق الإنسان في عالم ، فوهبه قدرات ذاتية على الفعل و الترك ، وجعل للعالم نظاما . فأفعال الإنسان إذا مشروطة بالنظام الذي أوجده الله في الكون ، و بالفطرة التي فطر الله تعالى الإنسان عليها . و الإنسان ليس مسؤولا عن تصرفاته إلا لأنه حر ، و هو ليس حرا  في تحدي الإرادة الإلهية و خرق النظام الكوني . إن الحرية عند ابن رشد مشروطة بنظام من الأسباب التي خلقها الله في أبداننا و التي أوجدها في العالم الخارجي . و عليه فالحرية هي قدرة الإنسان الذاتية على إتيان أفعاله في توافق و انسجام مع نظام الكون و نظام الذات .
   وفي نفس السياق و لكن من وجهة نظر مخالفة ينتقد ميرلوبانتي الفيلسوف الفرنسي (1908-1961) موقف الفلسفة الوجودية و تصور العلوم الإنسانية الوضعية . فالفلسفة الوجودية ترى أن الإنسان ليس فقط كائنا حرا بل إنه كائن محكوم عليه بالحرية ، و أنه يتحدد طبقا لما يفعله بحرية . إنه حر في الأصل و الماهية ، و الظروف هي التي زَيَّفَتْ أصالة وجوده . و العلوم الإنسانية تعاملت مع الإنسان لا ككائن في ذاته كما تصورته الفلسفات المثالية بل ككائن في وضع تحكمه عوامل بيولوجية ، و توجهه دوافع نفسية لاشعورية ، و تشرطه إكراهات اجتماعية . فالعلوم الإنسانية حولت الإنسان إلى آلة مبرمجة ، و أفقدته ذاتيته و فاعليته . فالحرية كما يراها ليبنتز وَهْمٌ ، فنحن في الواقع خاضعون لحتميات تشرط كل سلوكاتنا ، غير أن جهلنا بالأسباب هو ما يجعلنا نتوهم أننا أحرار . غير أن ميرلوبانتي يؤكد من خلال نقده أن الإنسان حر في موقف (وضع) ، و أن حريته في قدرته على تحويل العوامل المتحكمة فيه إلى عوامل هو الذي يتحكم فيها و يوظفها لتحقيق اختياراته في حدود ما تسمح به الشروط . فالإنسان قادر على تعديل شروط وجوده لبناء ذاته و تحديد مصيره ، و بذلك تصير الحرية تحررا أي فعلا يمارسه الإنسان في وضع لبناء ذاته و تغيير و تعديل  شروط ظروفه . فهل حريته في فعل ما يريد ؟
  2)- الحرية و الإرادة :
  إذا كان رجال اللاهوت تأملوا الحرية في علاقاتها مع المشيئة الإلهية ، و العلوم الإنسانية سعت إلى الكشف عن العوامل الموضوعية المتحكمة في السلوك الإنساني ، فإن فلاسفة عصر الأنوار ربطوا بين الحرية و الإرادة . الإرادة هي ملكة الفعل الحر و القدرة على انجازه . و يشترط  التخلص من الضرورة وجود إرادة حرة . فما علاقة الحرية بالإرادة ؟ و هل حرية إرادته في مسايرة ميوله الطبيعية أم في التحكم فيها ؟
    يميز كانط (1724-1804) بين نوعين من الموجودات : الكائنات الطبيعية التي تستعمل كوسائل  يتم استغلالها ، و الكائنات الإنسانية التي ينظر إليها كقيمة أخلاقية تستحق التقدير و الاحترام لأنها كائنات عاقلة و حرة . و الحرية خاصية لكل كائن عاقل له إرادة ، فهو حر لأن له إرادة . و يعرف الحرية بأنها ‘‘ استقلال الإنسان عن أي شيء إلا القانون الأخلاقي .’’  فحرية الإرادة تتجلى في قدرة الإنسان على السيطرة إلى ميوله و نزواته الطبيعية التي تهبط به إلى مصاف الحيوانات ، و العمل بمقتضى القانون الأخلاقي الذي يُسَطِّرُه العقل . إن حرية الإرادة عند كانط هي  إرادة خيرة تعمل بالواجب الأخلاقي لا وفق الضرورة الطبيعية . فحرية الإرادة ليست في الخضوع للميول و الشهوات الطبيعية  بل في العمل بما يفرضه عليه العقل من قوانين أخلاقية . فمجال حرية الإرادة هو الأخلاق ، أي  في فعل الخير . فالإنسان حر في  فعل الخير و العمل  بالفضائل لا في فعل الشر و الرذائل . و أن مسايرة الأخلاق اختيار لكن مسايرة الميول ضرورة .
   أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900) فيعتبر الأخلاق غريبة عن  الحياة ، لأنها تُوهِمُ بوجود عالم لا وجود له ، وأنها بحث عن الكمال خارج الحياة الواقعية ، فالحياة فعل و قوة لا أخلاقٌ . و ليست القيم الأخلاقية في نظره سوى أوهاما و حِيَلاً اخترعها الضعفاء من الناس لمواجهة الأقوياء في الصراع من أجل الحياة خدعوا بها الأقوياء كما خدعوا بها أنفسهم . فالأخلاق خدمةٌ لمبادئ غريبة عن الحياة . و هذا ما جعل إرادة الضعفاء إرادة عدم تزهد في الحياة و تتنكر لها . لقد صارت البشرية عبيد أوهام اخترعوها لإفساد الحياة . و عليه فإن نيتشه يدعو للتحرر من تلك الأوهام بإرادة الحياة التي هي إرادة القوة . إن إرادة الحرية هي إرادة القوة لا إرادة الخير . و التحرر لا يكون بالزهد في الحياة  و إنكارها، لأن الزهد يمنع الإنسان أن يكون إنسانا على الأرض . و عليه فإن الحرية هي التخلص من قيم الزهد في الحياة التي انتشرت مع الكنيسة المسيحية وكل الاتجاهات اللاهوتية .
 و إذا كانت الحرية عند كانط في انتصار المبادئ الأخلاقية ، فإن الحرية  عند نيتشه هي انتصار الميول الطبيعية .
  3) – الحرية و القانون :
  الإنسان في نظر أنصار العقد الاجتماعي ولد حرا ، وحريته في ممارسة قوته الطبيعية التي تصطدم بقوة أخرى ، و ينشأ عن ذلك حالة حرب يفقد فيها الإنسان أمنه و حريته و حياته . و لذلك كانت الضرورة تقتضي وضع حد لحالة الحرب و الخروج من حالة الطبيعة بقيام دولة تصدر قوانين . فما القانون ؟ و هل القانون وضع لحماية الحريات أم لمنعها ؟ وهل حرية الإنسان في استعمال قوته الفردية أم في لجوئه إلى القوة العمومية التي تحميه ؟ القانون إلزام و الحرية اختيار، فكيف يمكن المواءمة بين القانون و الحرية ؟ و هل الحرية عمل ضد القانون أم عمل في إطار القانون ؟ و هل القانون إجراء لتعطيل الحريات أم إطار لممارستها ؟ ألا يجعل القانون الحرية نسبية لأنه يحميها و في نفس الوقت يحدها ؟ و هل الإنسان خارج القانون حر ؟  
   يربط الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو(1689-1755) بين الحرية و النظام السياسي الديمقراطي القائم على فصل السلطات . فالحرية في نظره ليست في أن يفعل المواطن ما يريد  بل هي أن يعمل ما تجيزه له القوانين العادلة . فمهمة القوانين هي تنظيم العلاقات بين الناس في المجتمع لضمان الحريات . فالحرية هي في احترام القانون و العمل به ، و أن لا حرية خارج القانون . لكن ألا يؤدي الالتزام بالقانون إلى نفي الحرية ؟      
    و ترى الفيلسوفة الألمانية الأصل حنا أرندت (1906-1975) أن الحرية ليست مسألة أخلاقية باطنية بل إنها مسألة سياسية تتعلق بنظام يعمل على تعايش الحريات و يوفر إمكانيات الفعل و التفكير و التعبير . فالحرية نشاط واع يمارسه المواطنون في ظل نظام سياسي للمطالبة بحقوقهم ورفع الغبن و القهر عنهم .  و الإنسان لا يعي حريته بذاته بل في علاقاته مع غيره و مع مؤسسات الدولة بالانتظام في مؤسسات المجتمع المدني لمنع هيمنة الدولة على المجتمع و وضع حد لكل إمكانية التسلط . و بذلك تتحول الحرية إلى تحرر أي إلى حركة واعية و متواصلة لتنظيم العلاقات بين السلط لتعمل كل سلطة في مجال اختصاصها على حماية الحريات كحق سياسي .
   الحرية إذا حق يرتبط بالأخلاق و تنظمه القوانين و يشرف على حمايته نظام سياسي عادل .

الجمعة، 29 أبريل، 2011

الواجب

 الواجب

    يقول إريك فايل : " يشكل الواجب المقولة الأساسية و الوحيدة للأخلاق ." و كما أن للإنسان حقوقا ، فعليه واجبات ؛ فحقهم واجب عليه ، و حقه واجب عليهم . فما الواجب ؟ و هل الواجب إكراه أم قدرة ، إلزام أم التزام ؟ و هل الوعي الأخلاقي بالواجب فطري أم مكتسب ؟ و هل أساس الوعي به هو الطبيعة أم المجتمع ؟ و هل الواجب هو ما يفرضه علينا المجتمع أم يلزمنا به الانتماء للإنسانية ؟ هل الإنسان فرد في مجتمع أم عضو في المملكة الإنسانية ؟  
   الواجب هو ما يُلزم الإنسانُ أخلاقيا للقيام به استجابة لنداء الضمير، إنه ما يجد الإنسان نفسه مطالبا بأدائه طِبْقا أو احتراما ، كَرْها أو طوعا ، للعمل بالقيم الأخلاقية  في حياته الاجتماعية دون تقصير أو تهاون ، لا نفاقا أو رياء و لا استجابة لمصلحة. فالواجب إذا هو احترام و عمل بالفضائل . و لقد اختلف الفلاسفة حول ما إذا كان الواجب هو ما نؤمر به و نُكْرَهُ على فعله  أم ما نقدر على القيام به ؟  
    1)-  هل الواجب إكراه  أم قدرة ؟
  يرى كانط (1724-1804) أن الأخلاق تقوم على الواجب ، و الإنسان مطالب بأداء الواجب لا طبقا للقانون الأخلاقي بل احتراما له  ( أي أنه لا يسرق خوفا من عقاب القانون بل احتراما خالصا للقانون). و الواجب هو العمل بالقانون الأخلاقي الذي يفرضه العقل العملي و تعمل به الإرادة الخيرة لإقصاء الميول و التخلص من تأثيرها  . فالإنسان بميوله يظل حيوانا ينتمي لمملكة الضرورة الطبيعية . و لن تكون الإرادة خيرة إلا إذا ارتبطت بالعقل و التزمت بقوانينه . فالواجب إذا هو ما يقره العقل و ما تعمل به الإرادة الخيرة من الفضائل . و الإنسان إذ يختار العمل بالقواعد الأخلاقية يكون ملزما على العمل بها للتحرر من سيطرة الميول الغريزية عليه . و بذلك تكون الأخلاق عند كانط أوامر قطعية مطلقة لا تراعي ظروفه و لا قدراته ،  و يكون العمل بها قهرا و إكراها لميوله الطبيعية  .
    غير أن جان ماري غويو (1854-1888) ينتقد مفهوم الواجب كأمر مطلق ، مؤكدا أن الواجب ليس أمرا نُرْغَم على فعله بل قدرة ذاتية طبيعية و تلقائية على فعل عظيم  مقدور عليه تتدفق به الحياة و تسمو . فالأخلاق في نظره ليست في أن يُلزَم المرء بما لا يستطيعه ، و إلا كُلِّفَ بما ليس في طاقته ، و في هذا ظلم له ، و ما فيه ظلم و قهر فهو متعارض مع الأخلاق . و لذلك فالواجب هو ما يكون باستطاعة المرء القيام به من أفعال عظيمة. و ما ليس باستطاعة الإنسان فعله فمعفى منه و ليس واجبا عليه و لا يعاقب على تركه ؛ و القيام بما في مقدوره لا يستحق عليه ثوابا . و بذلك يؤسس غويو أخلاقا بدون عقاب و لا ثواب ، لأن العمل بها يتلاءم مع طبيعة الإنسان . و يشبه غويو الواجب بازدهار النبتة ، فمن طبيعة النبتة أن تنمو ، و كذلك الواجب بالنسبة للإنسان ، إنه من طبيعته ، تلقائي فيه . فالواجب هو ما يتلاءم مع طبيعة الإنسان و ما يكون بقدرته القيام به من أفعال عظيمة و جليلة تتدفق بها الحياة و تمضي بها قدما ؛ فالحياة قد تُعطَّل إذا لم تكن القدرة على الفعل متناسبة مع الواجب . إن تصور غويو للواجب هو تصور طبيعي يتعارض مع التصورات الغيبية التي تعتبره  أمرا قطعيا . فالواجب ليس شعورا بضغط بل شعور بقدرة على فعل عظيم ، و لم يعد الواجب إكراها خارجيا  بل قدرة إنسانية فعالة  .
     2) – الوعي الأخلاقي  بالواجب :
      و سواء كان الواجب إكراها أو قدرة فإنه يشترط وعيا ، فما الوعي الأخلاقي بالواجب ؟ و هل هو فطري أم مكتسب ؟
    الوعي عموما هو ملكة إنسانية للإدراك و التمييز ، و يميز الفلاسفة بين نمطين من الوعي : الوعي المعرفي و الوعي الأخلاقي ، فالوعي المعرفي هو تلك لقدرة العقلية التي يتم بها السعي للعلم بحقائق الذات و الواقع ؛ أما الوعي الأخلاقي فهو تلك الملكة العملية التي يتم بها التمييز بين الفضائل و الرذائل  و العمل بالفضائل . و يطلق على هذا النمط من الوعي الضمير .
   و يعتبر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778) أن الوعي الأخلاقي هبة إلهية أودعتها الإرادة الإلهية في أعماق النفس الإنسانية ، بها نحب و نقدر على فعل الخير ، و بها نتميز و نسمو عن مرتبة البهائم ؛ إنها مرشدنا  المضمون نحو الفضيلة و العاصم لنا من  الشرور و الرذائل . و لا يحتاج الإنسان إلى بعثة رسل أو اطلاع على نظرية للإحساس بالواجب و محبة الخير ، فللإنسان وعي فطري بالخير و الشر  ، يقول روسو :‘‘ كل ما أحسه شرا فهو شر ، و الضمير هو خير الفقهاء ’’ . و إذا كانت الدوافع البيولوجية تدفعنا للصراع و العنف ، فإن الضمير هو الذي يقربنا و يوحد بيننا ، فالحياة الاجتماعية لا تستقيم بالحاجة البيولوجية  بل بالوعي الأخلاقي  الفطري . 
   أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900 ) فيعترض على أن يكون الوعي بالواجب أمرا فطريا . فالواجب في نظره هو نتيجة تاريخية لظاهرة المديونية التي اضطر إليها الضعفاء من الناس . و لقد اشترط الدائن على المدين شروطا التزم المدين بقبولها كواجبات عليه ، وهي أن يسدد الدَّيْن الذي عليه  في وقته ، و إن عجز فيجوز للدائن القصاص منه بتعذيبه أو استعباده أو بتر عضو من أعضائه  أو قتله كأسلوب لاسترداد الدَّيْن الذي في ذمته . فالواجب إذا هو نتيجة تعاقد بين الدائن و المدين ، فرض الدائن بموجبه شروطا قاسية و عنيفة و قًََبِلَ  بها المدين . و لذلك لا يُعْقل تجاهل الشروط التاريخية التي سببت نشأة الوعي بالواجب . و عليه فالواجب هو ما أُكره عليه المدين من قبل الدائن في ظروف تاريخية . فلقد مَثَّل الواجب رغبة الأقوياء في إيذاء الضعفاء و الاستمتاع بممارسة العنف عليهم و احتقارهم . في هذا الشكل من الإلزام و الالتزام يكمن أصل الواجب و باقي القيم الأخلاقية . إنه ليس نتيجة إرادة خيرة بل نتيجة إرادة القوة ، إنه من صنع الأقوياء الذين خلقوا القيم الأخلاقية و وضعوا القوانين و حددوا معنى الخير و الشر ، إنه ما يتم به إخضاع واستعباد الضعفاء .
    3)- الواجب و المجتمع :
  ليس هناك إنسان في ذاته كما يقول كانط ، فالإنسان كائن ينتسب لمجتمع معين و في نفس الوقت ينتمي للإنسانية ، فهل الواجب لديه اجتماعي أم إنساني ؟  و هل مصدره المجتمع أم منبعه الإنسانية ؟ و هل الإنسان ملزم بواجبات نحو مجتمعه فقط أم بواجبات نحو الإنسانية جمعاء ؟ ألا يؤدي ربط الواجب بالمجتمع إلى إضفاء طابع النسبية و التغير عليه نظرا لاختلاف المجتمعات و تباينها عبر الزمان و المكان ؟
   الإنسان كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم (1858- 1915) كائن اجتماعي يتشرب عن طريق التنشئة الاجتماعية القيم و المبادئ الأخلاقية لمجتمعه كواجبات يكره على العمل بها و السلوك وفقها . فالواجبات كمبادئ اجتماعية تخترق وجداننا الباطني و تستقر فيه كمبادئ منظمة للسلوك . فمصدر الواجب إذا هو المجتمع ، و بذلك ينفي  دوركهايم أن يكون مصدره غيبيا أو أسطوريا . يقول دوركهايم : ‘‘ فضميرنا الأخلاقي لم يَنْتُج إلا عن المجتمع و لا يُعَبِّر إلا عنه ، و إذا تكلم ضميرنا فإنما يردد صوت المجتمع فينا ’’. فالواجب سلطة اجتماعية قاهرة مكتسبة  و ليست فطرية .
   ربط الواجبات بالمجتمع يجعلها نسبية ، مختلفة من مجتمع لآخر ، و متغيرة من فترة لأخرى . و كما أن تَشَرُّبَ القيم الاجتماعية و التشبث بها و الاعتقاد في إطلاقيتها ربما يؤدي إلى الانغلاق و معاداة المختلف اجتماعيا و أخلاقيا و الطعن في ثقافته ، و بذلك تتحول الواجبات الأخلاقية من فضائل اجتماعية إلى رذائل و شرور تضر بالإنسانية .
   و هذا هو الأمر الذي سعى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941) لتجاوزه ، فهو يعتبر الواجب ليس اجتماعيا فقط  بل إنسانيا أيضا . و كما أن على الإنسان واجبات نحو مجتمعه  فعليه أيضا واجبات نحو الإنسانية . فالإنسان فرد في مجتمع ،  و عضو في الإنسانية . و لذلك فالواجب ليس محصورا في احترام قيم المجتمع و العمل بقوانينه بل في احترام إنسانية الإنسان و الانفتاح على مختلف الحضارات و الاستفادة منها لبناء عالم منفتح تتلاقح فيه الأفكار و تغتني فيه الثقافات و تتعاون فيه الإرادات وتتحاور فيه الأديان و يسود فيه التسامح و تتوطد فيه علاقات  السلام و تسعد فيه الأمم . و بذلك يكون الواجب هو الانفتاح على الإنسانية بدل الانغلاق في قضايا المجتمع المحلية . و عليه فليس الواجب اجتماعيا فقط بل انساني أيضا .

المجزوءة الرابعة : الأخلاق

 لا يخضع الإنسان في تصرفاته فقط للدوافع البيولوجية و الغرائز الفطرية كالحيوان ، و إنما يتصرف بضمير أخلاقي و يعمل بقيم سامية و مثل عليا ، وهذا ما يجعل منه كائنا أخلاقيا ، يَفْضُل الحيوانَ بمعرفته و عمله بالأخلاق . و الأخلاق نظام من القيم السامية التي يعتمدها الإنسان (كفرد أو جماعة ) كمبادئ و قواعد يسترشد بها لفعل الخير و يتجنب الشر سعيا لإسعاد نفسه و غيره . فالأخلاق إذا قوة يتحكم بها الإنسان في شهواته و ميوله ، و قواعد لعمل الخير . فالأخلاق  إذا واجباتٌ ، و الإنسانُ مسؤولٌ عن القيام بها لإسعاد ذاته و غيره ، و هو لن يتحمل مسؤولية أفعاله إلا إذا كان حرًّا . فما الواجب ؟ و ما السعادة ؟ و ما الحرية ؟ إنها مفاهيم أخلاقية متمفصلة ، يتأكد من خلالها أن الإنسان ، ككائن أخلاقي ، هو كائن حر يعمل بالواجب لتحقيق السعادة ، فالواجب أساس الأخلاق ، و الحرية شرطها، و السعادة غايتها. 

الحق و العدالة

من الممكن أن يكون تطابق بين العدالة والإنصاف وقد نرغب فيهما معا إلا أن الإنصاف أهم وأفضل من العدالة لأنه الشرط الأساسي لتصحيح ما يلحق بها عند تطبيقها من أخطاء ناتجة عن عمومية قوانينها كما يؤكد أرسطو ولان الإنصاف وحده الذي يكيف قوانين العدالة ويجعلها تستقيم مع تلك الحالات الخاصة .
أما الفيلسوف أفلاطون يري أن العدالة تتحقق من خلال تصرف كل واحد في إطار ما يعنيه أي أن يؤدي كل فرد الوظيفة المناسبة لقواه العقلية والجسدية والنفسية دون أن يتدخل في شؤون غيره .ويضيف أفلاطون أن القدرة على أداء المهمة التي يفرضها المجتمع على كل فرد تقف في إسهامها في كمال المدينة على قدر المساواة مع الحكمة والاعتدال والشجاعة مما يحقق الفضيلة الكبرى وهي العدالة .
أما الفيلسوف الانجليزي هيوم الذي ينتمي إلى المدرسة التجريبية مؤكدا أن لاتمنح الإنسان إلى قليلا من المتع غير أن الإنسان بإمكانه إن يحقق وفرة من المتع بواسطة الفن والعمل والصناعة وان يحقق الحرية والحق والكرامة باعتباره حرا في تحقيق منفعته الخاصة التي لاتتعارض مع المنفعة العامة من هنا تصبح العدالة في نظر هيوم فضيلة لاتخلقها إلا قوانين المجتمع ومن ثم فإن أخلاق المنفعة والمتعة لاتتعارض مع مفهوم الحرية الفردية والجماعية باختصار أن قيمة العدالة تكمن في المنفعة وما يميزها من التزام أخلاقي .
ويحاول الفيلسوف الأمريكي راولز أن يؤسس النظرية للعدالة بإنصاف ذلك من خلال تشكيل مؤسسات سياسية واجتماعية عادلة وتوافق سياسي بكيفية صلبة وواع وطواعي بين مواطنين ينظر إليهم من حيث أنهم أشخاص أحرار وأنداد مما يفضي إلى المساواة والحرية ويضمن خير كل الأفراد وكل الجماعات التي تنتمي إلى نظام ديمقراطي عادل

الدولة

الدولة
يعتبر الإنسان بطبعه حيوانا سياسيا لهذا فهو يميل إلى الاجتماع ويدخل في علاقة مع االاخرين تضمها قوانين وقواعد اجتماعية وأخلاقية والدولة كمؤسسة تنظيمية وسياسية هي التي تكلف بهذه القوانين حيث تدل على مجموع إرادات الأفراد وخضوع هؤلاء للدولة يعني تقاسمهم واشتراكهم في مجموعة من القوانين والعادات والطقوس والقيم من خلال مؤسسات السلطة التي تمارس على الأفراد نوعا من العنف الذي يحول إلى إلزام مشروع من اجل خلق توازن داخل المجتمع . من هنا نتساءل : من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟ هل من حماية الحريات وضمان الأمن ؟ أم من ممارسة العنف والهيمنة ؟ وكيف بإمكاننا أن نتحدث عن إمكانية خلق توازن بين هذين الطرفين المتناقضين
المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها
نظرا لطبيعة الإنسان المختلفة والعدوانية المتصادمة التي تساهم في خلق الظلم والجور والاعتداءات والعدوان كان لابد من التجاء الإنسان إلى مؤسسات تنظيمية تضمن للأفراد حقوقهم وظمان الأمن والحرية ... والدولة هي المؤسسة التي سلم لإنسان إليها تدبير أموره وشؤونه. ويعتبر الفيلسوف ( جون لوك) إن هذه الدولة تستمد مشروعيتها من عملها على حماية امن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم من خلال مؤسساته السلطوية هي التي تملك قوة مسلحة مكونة من القوة المجتمعية لكل الأفراد من اجل معاقبة من ينهكون حق الغير .
ويرى ويرى اسبينوز قائلا(أن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليس السيادة أو إرهاب الناس وجعلهم يقعون تحت نير الآخرين بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في امن وأمان بقدر الإمكان أي تفضي بقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير.)
إن غاية الدولة بهذا المعنى حسب اسبينوزا هي الحرية حرية الأفراد ككائنات عاقلة ويعتبر هيجل الدولة تحقق الإرادة الحرة والكونية بوصفها قيمة أخلاقية من خلال نشرها للقيم الروحية والمبادئ العقلية وهي قيم ومبادئ أساسية بالنسبة للمجتمع حتى يتمكن الإنسان من لاعتراف بإنسانيته .بعبارة أخرى أن الإنسان يجد في الدولة الحرية الإنسانية وذلك من خلال لاعتراف كروح موضوعية . وحينما يتعود الإنسان على الثقة في الدولة يصبح يراها كامل لإرادته الواعية فكره الذي يقوم على مبدأ الدولة.
لكن إذا كانت الدولة تنظم العلاقات بين الناس من خلال ممارسة سلطة معينة فماهي طبيعة هذه السلطة ؟ وعلى أي أساس سلطة الحاكم

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية
يؤكد مونتيسكيو انه في كل دولة توجد ثلاثة أنواع من السلط السلطة التشريعية السلطة التنفيذية السلطة المتعلقة بالحق المدني القضائية المتعلقة بحقوق الناس
السلطة التشريعية السلطة التنفيذية (حقوق الإنسان أو الناسالسلطة القضائية(الحق المدني)يقوم الأمير أو القاضي بوضع القوانين لفترة محدودة أو للأبد يصحح أو يلغي القوانين الموضوعة سابققيام الأمير أو القاضي بإقرار السلم أو يستقبل السفراء يعمل على ضمان الأمن وحماية البلد منا لاعتداءات يعاقب مرتكبي الجرائم يكون حكما في النزاعات التي تنشب بين الأفراد
ويشير مونتسكيو إلى انه لينبغي الجمع بين هذه السلطات في يد شخص واحد أو هيئة قضاء واحدة لان ذلك لا يترك مكانا للحرية ويتيح امانية صياغة قوانين استبدادية إذ ليس من المعقول أن يكون القاضي هو المشرع نفسه لهذا لابد أن نفصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية من اجل إلا يكو ن هناك استبداد
وينظر جون لوك إلى السلطة السياسية من خلال تمييزه بين ( الطور الطبيعي) و(العقد الاجتماعي) حيث كان الإنسان ينعم في المجتمع الطبيعي بالمساوت والحرية المطلقة ولا يحكمه إلا القانون الفطري أما العقد الاجتماعي فهو المرحلة التي سيتنازل فيها الإنسان عن كثير من حقوقه في مقابل عقد واتفاق على صيغة من القوانين يتم الخضوع فيه لقرار الكثرية الذي هو قرار المجتمع وعلى الفرد أن يسلك وفق مآتم الاتفاق عليه من طرف الأغلبية من الناس.
وينتقد (السوسيولوجي.ألان تورين ) طبيعة السلطة السياسية القائمة على الحزب الواحد والاستبداد والسلطة المطلقة .ويعتمد مفهوم الديمقراطية مفهوم يتعارض مع الطغيان والاستبداد باعتبار الديمقراطية تركز على حقوق الناس الثقافية والحقوق المدنية والحقوق الاجتماعية والوعي بالمواطنة أي الانتماء إلى الجماعة التي تشمل الحق والعدل والمساواة والممارسات الحرة

المجزوءة الثالثة : السياسة

تعتبر السياسة علم تدبير شؤون المجتمع تقوم بنشر القانون وتثبيته من خلال سلطة يتم السعي إليها وممارستها داخل المدينة أو الدولة كما تعتبر السياسة فعلا كليا ينظم العلاقات بين الأفراد والجمعات وتجدر الإشارة إلى أن هناك تصورين بارزين في السياسة الأول يمثل السياسة كمعرفة نظرية مثالية ويتصور دولة مثالية خالية من العنف وكل أشكال التدليس والظلم ومفعمة بالعدل والحق والأمان .والتصور الثاني على العكس من ذلك يمثل السياسة مصحوبة بنوع من العنف باعتباره عنصرا لخلق التوازن داخل المجتمع ي إن العنف يصبح مبررا .من هنا يمكننا التساؤل: من أين تستمد السياسة مشروعيتها وعلى ماذا تتأسس ؟ وماهي طبيعة وجود العنف داخل السياسة ؟ وما الغاية من ممارسة السلطة السياسية ؟ هذه الغاية هي ممارسة العنف والاستبداد أم هي الحق والعدالة أم هي العنف والعدالة معا

الحقيقة

تعتبر الحقيقة هدفا لكل بحث علمي ولكل تأمل فلسفي, إنها الغاية التي ينشدها كل إنسان سواء في علاقات اجتماعية أو في حياته الشخصية أو في علاقته بالوجود. غير أن مفهوم الحقيقة يتصف بنوع من الغموض سببه تعدد الحقائق، و تعدد مصادر المعرفة كما تطرح صعوبة تمييز الحقيقة عن أضدادها نتيجة تداخلهم، وهو ما يستوجب وضع مفهوم الحقيقة موضع سؤال. إذ يقتضي الأمر في البداية معرفة الحقيقة و تحديد دلالتها ، ثم إبراز الوسائل المعتمدة للوصول إلى الحقيقة (هل هو العقل أم الحواس), و أخيرا تحديد معيار التمييز بين الحقيقة و اللاحقيقة.
الرأي و الحقيقة
"بليز باسكال"
يعارض تصور الشكاك(الذي يفيد على انه ليس هناك حقيقة يمكن معرفتها)، ولقد قسم الحقائق إلى صنفين متكاملين: حقائق مصدرها العقل ويتم البرهان عليها، وحقائق مصدرها القلب ويتم الإيمان أو التسليم بها، ويعجز العقل عن إدراكها بل إن العقل يحتاج إلى حقائق القلب لينطلق منها بوصفها حقائق أولى.
"غاستون باشلار"
يعد الرأي بمثابة معرفة جاهزة ومتداولة في الثقافة الشعبية وتتصف بنوع من العشوائية ولا تخضع لتنظيم، إنه عائق معرفي يمنع الباحث من الوصول إلى الحقيقة التي يتوخاها، إن الحقيقة العلمية تنبني على بحث علمي خاضع لمنهجية دقيقة تسمو به فوق التأملات والآراء والتصورات.
معايير الحقيقة
"رونيه ديكارت"
الحدس بمثابة فعل عقلي يستطيع الإنسان بفضله فهم حقيقة الأشياء بشكل مباشر إذا كانت واضحة وبسيطة، وبالاستنباط يتمكن الإنسان من استخراج معرفة كان يجهلها من معرفة سابقة يدركها، شريطة أن تكون يقينية و صادقة، فالحدس والاستنباط أساسا المنهج المؤدي إلى الحقيقة.
"باروخ اسبينوزا"
يؤكد على أن الحقيقة معيار لذاتها إذ بفضل معرفة الحقيقة نستطيع تجنب الخطأ والوهم، فشرط معرفة نقيض الشيء هو معرفة الشيء ذاته، إذ لا يستطيع الإنسان أن يثبت ما إذا كانت الأفكار باطلة إلا إذا كان يعرف الأفكار الصائبة. الحقيقة في نظر "اسبينوزا" بمثابة النور الذي يؤدي إلى إزالة نقيضه.
الحقيقة بوصفها قيمة
"مارتن هايدغر"
يبين أن كل انحراف على الحقيقة يجعل الإنسان يتيه ويضل عن الفهم السليم للأشياء وينتج التيه بسبب اعتماد الإنسان على الأفكار المسبقة في فهمه للأشياء أو بسبب إسقاط تصوره الخاص عليها، وينبغي عليه كذلك أن يدع الأشياء تكشف له عن حقيقتها، لذا تتمثل قيمة الحقيقة في توجيه الإنسان إلى الطريق المستقيم في فهمه للأشياء وتجنيبه كل انحراف.
"اريك فايل"
يعتبر أن نقيض الحقيقة التي يهددها ليس هو الخطأ بل هو العنف الذي يؤدي إلى رفض الآخر والدخول في صراع معه وإيقاف التفكير والاستبداد بالرأي، وبالمقابل فإن "فايل" يؤكد أن قيمة الحقيقة تتجلى في الانفتاح على الآخر وقبوله والدخول في حوار معه و تجاوز كل أشكال الصراع والحرب معه.